الفصل العاشر: اقتصاد الوهم — صناعة القوة الزائفة في خطاب النديم الرقمي
الفصل العاشر: اقتصاد الوهم — صناعة القوة الزائفة في خطاب النديم الرقمي
1. مدخل: حين تصبح السلطة منتجًا وهميًا
يقدّم النديم الرقمي في سخرية دقيقة عالمًا سياسيًا تعمل فيه الأنظمة كما تعمل الشركات التجارية:
تسوّق الخوف، وتصدّر الإنجازات الوهمية، وتبني تحالفات لا وجود لها إلا على الورق، ثم تعلن أرباحًا سياسية غير قابلة للتدقيق.
إنه اقتصاد كامل للوهم، حيث تكون القوة مجرد علامة تجارية، والسيادة منتجًا دعائيًا، والأكاذيب خط إنتاج دائم العمل.
2. مبدأ “الكفاءة التخيلية”
تظهر في السخرية الرقمية عند النديم مفهوم يمكن تسميته بـالكفاءة التخيلية:
قدرة السلطة على صناعة مشهد قوة لا يرتكز على مؤسسات أو قدرة حقيقية، بل على:
- لغة أمنية متضخمة
- إعلام شديد الحماسة
- بيانات عاجلة تضخم توافه الأحداث
- مسرحيات سياسية مصممة للاستهلاك المحلى
يفضح النديم هذه الكفاءة عبر محاكاة دقيقة لبنيتها الكاذبة.
3. حلف العلمين كنموذج: تحالف مصنوع على مسطرة الهزل
في نصوص مثل “وصول الرئيس الصينى والرئيس الروسى لتوقيع حلف العلمين العسكرى”، يكشف النديم آلية تصنيع الحدث الجيوسياسي الزائف.
فالتحالف ليس سوى:
- إعلان ضخم بلا حيثيات
- احتفال لغوي بلا أثر
- هروب من الواقع بخلق واقع بديل
تُستخدم السخرية هنا لتعرية أنظمة تُفضّل أن تختلق عظمة بديلة بدل الاعتراف بضعفها الحقيقي.
4. الوهم بوصفه سلعة سياسية
في اقتصاد الوهم، لا تبيع السلطة إنجازًا حقيقيًا، بل إحساسًا بالطمأنينة، مثل المثل الشعبي الذي يستدعيه النديم: “حاطط بطيخة صيفي في بطنه”.
هنا يحوّل النديم البطيخة إلى رمز سياسي:
علامة طمأنة زائفة تُصنّعها السلطة وتسوّقها للجمهور كمنتج جاهز.
السخرية تفكك هذه السلعة عبر كشف علاقتها:
- بالتضليل الإعلامي
- بإدارة الأزمات عبر التظاهر بعدم وجودها
- بصناعة شعور مصطنع بالأمان
5. الشخصيات الترويجية: الباعة الجائلون للوهم
يخلق النديم الرقمي مجموعة من الشخصيات التي تعمل كشبكة توزيع للوهم السياسي:
- المذيع الأمني: مندوب مبيعات للنجاحات الخرافية
- العمدة: وكيل للديمقراطية الاستعراضية
- الوزير المحافظ: نموذج للبيروقراطية التي تبيع الفشل مغلفًا بلغة رسمية
تظهر هذه الشخصيات دائمًا كأدوات دعائية وليست كيانات إنسانية.
6. المواطن كـ"مستهلك" للوهم
يُصوَّر المواطن في اقتصاد الوهم كمن يعيش داخل متجر سياسي:
- يشتري روايات البطولة
- يتلقى عروضًا مؤقتة من الرفاهية الوهمية
- يتحمل الضرائب الحقيقية ليدفع ثمن السيادة المتخيَّلة
السخرية تكشف أن المواطن هو الممول الحقيقي لهذا الاقتصاد، رغم أنه المستفيد الأقل.
7. السناريوهات المضخمة: إدارة الواقع بالهلع
يعتمد اقتصاد الوهم على سيناريوهات:
- مؤامرات عملاقة
- تهديدات كونية
- حروب نفسية
- اكتشافات علمية زائفة
- عمليات جراحية “تجمل” الوعي العام
يستخدم النديم هذه السيناريوهات ليكشف آلية التضخيم التي تبني بها الأنظمة روايتها.
8. الوهم كأداة بديلة عن السياسة
في عالم النديم، تستبدل السلطة:
- السياسة الحقيقية → بالعرض المسرحي
- الإنجاز الواقعي → بشعار كبير
- الإصلاح → بلجان صورية
- الشرعية → بالاحتفالات اللفظية
وهو ما يجعل السخرية أداة نقدية أخطر من التحليل السياسي المباشر.
9. اقتصاد الوهم كمرآة للسلطة
ليست السخرية هنا ترفًا، بل تشخيصًا:
فالنديم يكشف أن النظام لا يملك مشروعًا إداريًا أو اقتصاديًا، بل يملك مصنعًا للانطباعات.
كل شيء يصبح جزءًا من إدارة الصورة، لا إدارة الدولة.
10. خاتمة: السخرية تحطم الاقتصاد الموازي للقوة
اقتصاد الوهم الذي يشرّحه النديم الرقمي هو بنية قائمة على:
- التضخيم
- الإنكار
- صناعة الرموز
- التمثيل المتكرر للبطولة
لكن السخرية تفككه لأنها تعمل بالعكس:
– تكشف ما يُخفى
– تهدم ما يُبنى لغويًا
– تعيد الأحجام إلى حجمها الحقيقي
– وتضع المشهد الرسمي أمام مرآة مقعّرة لكنه لا يستطيع كسرها
بهذا الفصل، يتضح أن السخرية ليست فقط تعليقًا سياسيًا، بل علمًا لفهم السلطة حين تتحول إلى “شركة كبرى لإنتاج القوة المستعارة”.
هل ترغب في الفصل الحادي عشر، أم تود الآن تجميع الفصول كلها في ملف واحد؟
Comments
Post a Comment