*الفصل الخامس عشر السيادة الساخرة: قلبُ رمزية القوة في الفضاء الرقمي
حاضر، إليك الفصل الخامس عشر – النسخة العربية الكاملة ضمن كتابك «بلاغة السخرية السياسية الرقمية: تقديم أولي لأعمال عبد الله النديم في فضاء ما بعد الحقيقة»، وبنفس الأسلوب والبناء العلمي للفصول السابقة.
**الفصل الخامس عشر
السيادة الساخرة: قلبُ رمزية القوة في الفضاء الرقمي**
مقدمة الفصل
لا تُمارس السخرية السياسية في الفضاء الرقمي بوصفها مجرد تعليقٍ أو نكتة، بل تتحول إلى تقنية خطابية تعيد ترتيب رموز السلطة على نحوٍ يجعل «القوي ضعيفًا» و«الضعيف قويًا». في هذا القلب الرمزي لموازين القوة تظهر «السيادة الساخرة»، وهي استراتيجية كتابية واسعة في أعمال عبد الله النديم الرقمي، تجعل من السخرية أداة لإعادة توزيع الهيبة السياسية وإعادة صياغة مفهوم القوة ذاته.
هذا الفصل يتناول ظاهرة الاستعمار المقلوب، و«دولة الهزل العليا»، و«الجبروت الكرتوني» بوصفها آليات لخلخلة السرديات السلطوية القوية وتفريغها من جلالها.
أولًا: مفهوم السيادة الساخرة
السيادة الساخرة هي إعادة تشكيل متعمدة لخطاب السلطة بحيث يصبح:
- الملكُ مُحاورًا في جلسة قهوة.
- الرئيسُ موظفًا يتحايل على الدوام.
- الأجهزة السياديةُ كائنات ملحمية مصنوعة من ورق مقوى.
- الدولةُ قوة جبارة… لكن على مواطنيها فقط.
في هذا النسق، تتحول الهيبة من سلطة حقيقية إلى ديكور خطابي، ومن «هيمنة» إلى «ملهاة»، ومن «رمز قوة» إلى «أداء كوميدي واسع» يتشارك الجمهور في كشف زيفه.
ثانيًا: الاستعمار المقلوب كأعلى درجات السيادة الساخرة
في سلسلة تغريدات «الاستعمار المقلوب» — التي أصبحت محورًا رئيسيًا في الدراسة — يعيد النديم ترتيب القوة العالمية بحيث:
- تتحول الدول الهامشية إلى قوى كونية جبارة.
- تتحول القوى الكبرى إلى تلاميذ في «فصل الطاعة» تديره أنظمة متخيلة صغيرة.
- تُصبح الجغرافيا لعبة تركيب (Puzzle) يعاد ترتيبها بإصبع ساخر.
تعمل هذه التقنية على:
- سلب القوة رمزيتها
- إظهار ضعف القوة العظمى حين تصبح موضوعًا للهزل
- منح الجمهور سلطة رمزية عبر الضحك على «عمالقة» النظام الدولي
وبهذا يصبح الضحك شكلًا من أشكال السيادة البديلة.
ثالثًا: مسرح السلطة الكرتونية
تصنع السخرية الرقمية لدى النديم عالمًا تتجسد فيه السلطة كائنًا هزليًا ضخم الرأس ضعيف الجسد، يشبه «سوبرمان» إذا ارتدى عباءة من النايلون الرخيص.
في هذا المسرح:
- الجنرال يتحول إلى «بطل خارق فاقد للبطارية».
- الأجهزة الأمنية تتحول إلى «مركز خدمة عملاء مخصص للتهديد».
- المؤتمرات الوطنية تصبح «حفلات ترفيه سياسي» بديكور مهيب وخطاب فارغ.
هذا التشخيص الكرتوني يُسقِط الخوف، ويمنح الجمهور قدرة على تمثّل السلطة وفهمها لا بوصفها قوة، بل بوصفها عرضًا مسرحيًا متقن الإخراج رديء المحتوى.
رابعًا: الضحك بوصفه إعادة كتابة للشرعية
تكشف السيادة الساخرة أن الشرعية ليست معطى ثابتًا، بل نظام شعوري يُعاد تشكيله جماهيريًا.
حين تضحك الجماهير من السلطة، فإنها:
- تستعيد حق التقييم
- تعيد تعريف الخطأ والصواب
- تُفقد السلطة هالتها العاطفية التي بُنيت عليها هيمنتها
- تصنع سردية بديلة تحكم المجال الرمزي
وتكمن قوة الضحك هنا في أنه لا يُقاوَم بالقمع التقليدي:
يمكن اعتقال شخص، لا يمكن اعتقال معنى.
خامسًا: تقنيات النديم في بناء السيادة الساخرة
1. الاستعارة الهزلية الكبرى
مثل تحويل العلاقات الدولية إلى مباريات «كيدز زون» أو تحويل الحكومات إلى «جمعيات خيرية للعقاب».
2. تفكيك الجدية الصلبة
عبر تحويل اللغة الرسمية إلى لهجة مهترئة متضخمة، تكشف نفسها دون جهد.
3. بناء دول متخيلة
«جمهورية الهراء»، «حلف العلمين»، «مشيخة الطرق الإسمنتية»…
هي دول لا وجود لها، لكنها أكثر قدرة على فضح الواقع من الدول الحقيقية.
4. قلب الهرمية السيادية
حيث يصبح المواطن العادي أكثر عقلًا من الأجهزة،
والساخر أكثر اتزانًا من المتحدث الرسمي.
سادسًا: السيادة الساخرة كإستراتيجية مقاومة
السخرية هنا ليست ترفًا، بل هي:
- تفكيك للهالة
- إعادة هندسة للرمز
- مقاومة غير مرئية
- نسف ناعم للشرعية الزائفة
- تحويل الخوف إلى مادة ترفيه جماعية
إنها سياسة بلا مؤسسات ومقاومة بلا تنظيم، لكنها فعّالة لأنها تعبث بجذور الهيبة وليس بسطحها.
خاتمة الفصل
السيادة الساخرة هي أعلى درجات البلاغة الرقمية، لأنها لا تواجه السلطة مباشرة، بل تقوم بما هو أخطر:
تجعلها مضحكة.
وحين تضحك الشعوب من السلطة، تكون قد قطعت نصف الطريق نحو إعادة تعريف القوة، وربع الطريق نحو إسقاط الخوف، وخطوة كاملة نحو بناء سرديات جديدة لا تستمد مشروعيتها من فوق، بل من القاعدة الشعبية نفسها.
إذا رغبت، أكتب لك الفصل الرابع عشر فورًا، أو أرتّب لك مخطط شجرة الفصول كاملة.
Comments
Post a Comment