**الفصل التاسع عشر المواطن المصنوع: هندسة الطاعة في زمن السخرية المضادة**

 

**الفصل التاسع عشر

المواطن المصنوع: هندسة الطاعة في زمن السخرية المضادة**

مقدمة الفصل

لم تعد السلطة الحديثة تكتفي بإدارة الاقتصاد أو السيطرة على المجال العام؛ بل باتت تسعى إلى إنتاج نموذج معيّن للمواطن — مواطن تُعيد تشكيله من الداخل، وتُحدد طريقة تفكيره، وتضبط انفعالاته، وتوجّه نظرته للواقع.
يسمّي النديم الرقمي هذا النموذج بـ «المواطن المصنوع»: كائن سياسي مُعاد تشكيله وفق احتياجات السلطة، لا وفق مصالحه أو حقوقه.

هذا الفصل يكشف كيف تُهندس السلطة الطاعة، وكيف تفكك السخريةُ هذا النموذج ليعيد للمواطن فردانيته ووعيه النقدي.


أولًا: من المواطن الطبيعي إلى المواطن المصنوع

المواطن الطبيعي:

  • يفكر،
  • ينتقد،
  • يطالب بحقوقه،
  • يسائل السلطة،
  • ويمتلك ذاكرة تاريخية.

أما المواطن المصنوع فهو:

  • كائن منزوع النقد،
  • قصير الذاكرة،
  • يعيد ترديد الرواية الرسمية،
  • يخشى السؤال،
  • ويؤمن أن نجاته فردية لا جماعية.

التحول من الطبيعي إلى المصنوع ليس تلقائيًا؛ إنه مشروع سياسي.


ثانيًا: أدوات صناعة المواطن المصنوع

يكشف النديم الرقمي أربعة أعمدة ترتكز عليها عملية التصنيع:

1. صناعة الوعي التلفزيوني

تُعاد صياغة المواطن عبر:

  • إعلام شعاراتي،
  • مسلسلات تمجّد «البطل الفرد»،
  • نشرات تعيد سرد الواقع بطريقة انتقائية.

هكذا يتشكل وعي جاهز للاستهلاك.

2. إعادة تشكيل الخوف

الخوف هنا ليس من السلطة فقط، بل من:

  • المستقبل،
  • الجار،
  • "الأعداء"،
  • الانهيار الاقتصادي.

فيصبح المواطن في حاجة إلى «الحماية الرسمية».

3. طقوس الطاعة اليومية

مثل:

  • الوقوف في الطوابير،
  • الانصياع للتعليمات المتضاربة،
  • طلب الإذن في كل شيء.

هذه الممارسات تصنع الانضباط أكثر من أي خطاب.

4. تمييع الحدود بين الدولة والذات

حتى يتساءل المواطن:
«هل ما أريده أنا؟ أم ما تعلّمت أن أريده؟»


ثالثًا: كيف تكشف السخرية هذا المشروع؟

السخرية تعمل كجهاز كشف سياسي:

1. إظهار التناقضات

حين تُطالِب الدولة بالطاعة، يكشف النديم أنها:

  • بلا رؤية،
  • بلا تخطيط،
  • وأن أكبر أخطائها تأتي من مسؤوليها.

2. فضح القوالب الجاهزة

السخرية تُسقِط «النموذج المثالي» الذي تحاول السلطة فرضه:

  • المواطن الصبور دائمًا،
  • الشاكر دائمًا،
  • الذي يعتبر كل معاناة تضحية وطنية.

3. إعادة الاعتبار للعقل

حين يسخر النديم من القرارات العشوائية، فهو يُذكّر المواطن أن:

  • التفكير ليس جريمة،
  • والسؤال ليس خيانة،
  • والضحك ليس خطرًا.

السخرية تُعيد تشغيل الوعي.


رابعًا: المواطن المصنوع كمنتج إعلامي

في خطاب السلطة، المواطن النموذجي:

  • «لا يشتكي»،
  • «لا يعترض»،
  • «يتحمّل»،
  • «يضحّي»،
  • «يشارك في المبادرات»،
  • «يوقّع على الاستمارات».

هو منتج إعلامي لا إنسان واقعي.

أما النديم الرقمي فيُظهر المواطن الحقيقي:

  • المرهق،
  • المُثقَل بالأعباء،
  • الذي يرى ما يحدث،
  • ويضحك لأنه لم يعد يملك سوى الضحك.

خامسًا: دور الاقتصاد في تصنيع المواطن

يُشير النديم إلى أن المواطن المصنوع يتم تشكيله من خلال:

  • ارتفاع الأسعار،
  • تضييق الخيارات،
  • تحميله مسؤولية الأزمات،
  • جعله ينشغل بتأمين اليوم على التفكير في الغد.

إنها هندسة اقتصادية للطاعة.


سادسًا: كيف تحوّلت السخرية إلى «مضاد تصنيع»؟

السخرية عند النديم ليست مجرد فن؛ إنها:

  • تفكيك للبناء الرسمي،
  • تعطيل لعمليات الهيمنة،
  • إعادة توجيه للوعي،
  • ومقاومة رمزية للسلطة.

1. السخرية تكسر القالب

كل نكتة سياسية تُعيد للمواطن جزءًا من ذاته.

2. السخرية تُظهر القناع

تفضح زيف النموذج المثالي الذي تصنعه السلطة.

3. السخرية تُعيد الذاكرة

تذكّر المواطن بما حدث فعلًا، لا بما قيل إنه حدث.

4. السخرية تُقوِّي الفردانية

تقول له: «فكّر بنفسك، اضحك من نفسك، افهم العالم دون وسيط».


سابعًا: لماذا تخاف السلطة من المواطن غير المصنوع؟

لأن المواطن الحقيقي:

  • يُسائل،
  • يعارض،
  • يرفض البروباغندا،
  • يرفض تحويل الوطنية إلى عقاب،
  • ولا يقبل خطاب التفاهة والجباية والخوف.

بينما المواطن المصنوع:

  • مُطيع،
  • منشغل،
  • مُنهك،
  • خاضع،
  • بلا ذاكرة نقدية.

السخرية تهدم هذا النموذج، وتفتح المجال أمام استعادة الذات.


خاتمة الفصل

يكشف النديم الرقمي أن معركة السخرية ليست مجرد معركة لغوية أو رمزية، بل هي صراع على من يصنع مَن:

  • هل تصنع السلطة المواطن؟
  • أم يصنع المواطن وعيه ويعيد تعريف السلطة؟

في زمن تزداد فيه محاولات تشكيل المواطن وفق احتياجات الدولة، تصبح السخرية مقاومة حقيقية، لأنها تُعيد الإنسان إلى نفسه، وتُعيد السياسة إلى معناها، وتُعيد للمجتمع القدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يراه.



Comments

Popular posts from this blog

The Pharaohs’ Summit at the Grand Egyptian Museum

Satirical Report: Egyptian Elite Forces "Arrest" President Sisi for Mental Evaluation Following Demolition Remarks

“In Search of Human Readers: When a Digital Satirist Puts His Audience on Trial”