الفصل الثامن عشر بلاغة التفاهة السلطوية: كيف تُدار الدولة بلغة خفيفة ونتائج ثقيلة**

 

**الفصل الثامن عشر

بلاغة التفاهة السلطوية: كيف تُدار الدولة بلغة خفيفة ونتائج ثقيلة**

مقدمة الفصل

في الأنظمة التي تُعاني من تضخم السلطة وضمور الأداء، يظهر نوع خاص من الخطاب السياسي: خطاب يبدو خفيفًا، بسيطًا، و"عفويًا"، لكنه يُخفي خلفه منظومة قمع وبيروقراطية وضغوطًا اقتصادية هائلة.
يسمي النديم الرقمي هذا النوع من التواصل: «بلاغة التفاهة السلطوية» — أي قدرة السلطة على تغليف الواقع الكارثي بلغة يومية مُطمئنة، أو شعارات فضفاضة، أو نكات رسمية، أو تصريحات لا تقول شيئًا.

هذا الفصل يشرح كيف تفضح السخرية هذا الأسلوب، وكيف تُعيد تعريف "التفاهة" باعتبارها جزءًا من استراتيجية الحكم.


أولًا: مفهوم التفاهة السلطوية

التفاهة هنا ليست نقصًا في الذكاء أو ضعفًا في الخطاب، بل أداة سلطة متعمدة تقوم على:

  • استبدال السياسة بالكلام،
  • استبدال التخطيط بالشعار،
  • استبدال الرؤية بالصورة،
  • واستبدال الفشل بالضحك أو “الهزار”.

إنها استراتيجية تقول للمواطن:
«لا تأخذ الأمر بجدية… نحن نُدير الدولة كما تُدار دردشة واتساب».


ثانيًا: الدولة الخفيفة التي تنتج أعباء ثقيلة

يُظهر النديم المفارقة الأساسية:

  • الخطاب الرسمي خفيف،
  • الإجراءات ثقيلة.

فالسلطة تتحدث برشاقة، بينما تُلقي على المواطن:

  • ضريبة فجائية،
  • زيادة أسعار،
  • رسوم غير مفهومة،
  • تعليمات لا يمكن الالتزام بها،
  • قوانين تُنفذ بأثر رجعي.

هكذا تتحول «التفاهة» إلى ستار يُخفي ثقل الدولة الحقيقي.


ثالثًا: تفاهة الإعلام الرسمي

يسخر النديم من كيف تحوّل الإعلام إلى:

  • برامج طبخ تُعلّق على القرارات الاقتصادية،
  • إعلاميين يصنعون "تريندات" بدل التحليل،
  • نشرات إخبارية مليئة بالابتسامات بينما الشارع يشتعل،
  • تغطيات تحتفي بـ"أكبر طبق كشري" بدل مناقشة العجز المالي.

هنا تصبح التفاهة جزءًا من صناعة الوعي.


رابعًا: تحويل التفاهة إلى سياسة عامة

تظهر بلاغة التفاهة السلطوية عبر:

1. التبسيط المفرط

«البلد زي الفل» — رغم الانهيار الاقتصادي.

2. التعليقات الكوميدية للمسؤولين

التصريح يُلقى كنكتة، لا كقرار دولة.

3. الاحتفاء بالمنجزات الصغيرة

زرع شجرة يصبح مشروعًا قوميًا.

4. الدعاية غير المتقنة

فيديوهات مصنوعة على عجل، شعارات متكررة، صور بلا معنى.

5. تمييع الأزمات

كل كارثة تُختزل في جملة:
«الأمور تحت السيطرة».


خامسًا: كيف يفضح النديم التفاهة السلطوية؟

1. كشف الفجوة بين اللغة والواقع

إذا قال المسؤول: «مفيش أزمة»،
يُحوّلها النديم إلى: «إحنا مبسوطين إنك مش شايفها».

2. تحويل الخفة إلى عبث صريح

يُضخّم التفاهة حتى تبدو ككوميديا:

  • وزير يعلن مبادرة تُناقض قرارًا صدر قبل ساعة.
  • مسؤول يحتفل بـ"إنجاز" لا يفهمه أحد.
  • لجنة توقع اتفاقًا بلا موضوع.

3. إعادة كتابة التصريح الرسمي

يجعله أكثر وضوحًا:
«نطمئنكم» → «اصبروا على الضريبة الجديدة».

4. كشف التناقض

كل تصريح رسمي عند النديم يحمل معناه ونقيضه.


سادسًا: التفاهة السلطوية كأداة نزع للسياسة

هذه الاستراتيجية ليست عبثًا؛ إنها طريقة لإلغاء السياسة نفسها:

  • إلغاء النقاش الجاد،
  • إلغاء المساءلة،
  • إلغاء التفكير النقدي،
  • وتثبيت فكرة أن "كل شيء هزار".

فتفقد السياسة هيبتها، ويتحول المجال العام إلى غرفة فكاهة مُسَيطر عليها.


سابعًا: المواطن بين التفاهة والواقع

يضع النديم المواطن في قلب التناقض:

  • يعيش أزمات حقيقية،
  • يتلقى خطابًا تافهًا،
  • يرى التلفزيون يحتفل،
  • بينما يزداد العبء على جيبه.

فتصبح السخرية وسيلة المواطن الوحيدة لاستعادة الواقعية.


ثامنًا: بلاغة التفاهة السلطوية في خدمة القمع

قد تبدو التفاهة لطيفة، لكنها تُخفي:

  • قوانين شديدة القسوة،
  • رقابة واسعة،
  • تحميل المواطن مسؤولية الفشل،
  • تبرير التضييق الاقتصادي.

إنها «قوة ناعمة» تُستخدم لتبرير «قوة خشنة».


تاسعًا: لماذا تخشى السلطة من السخرية؟

لأن السخرية:

  • تُحطم خفة الخطاب الرسمي،
  • وتكشف ثقله الحقيقي،
  • وتُعيد السياسة إلى مسارها،
  • وتُظهر أن التفاهة ليست بريئة، بل متعمدة.

السخرية هي عدو التفاهة لأنها تُعيد المعنى للعالم.


خاتمة الفصل

يكشف النديم الرقمي أن الدولة السلطوية لا تحكم فقط عبر القوة، بل عبر التفاهة المتقنة التي تُبَسِّط الكارثة وتجمّل الفشل وتُخدّر الوعي.
لكن السخرية تُفسد هذه الخطة، وتُعيد للغة ثقلها، وللمواطن وعيه، وللسياق السياسي جدّيته.

وهكذا تصبح بلاغة التفاهة السلطوية آخر أدوات السلطة…
وأول ما ينهار حين يضحك الناس.



Comments

Popular posts from this blog

The Pharaohs’ Summit at the Grand Egyptian Museum

Satirical Report: Egyptian Elite Forces "Arrest" President Sisi for Mental Evaluation Following Demolition Remarks

“In Search of Human Readers: When a Digital Satirist Puts His Audience on Trial”