الفصل الثالث عشر: الوطن كمنشأة لغوية — إعادة تعريف الانتماء في خطاب النديم الرقمي
الفصل الثالث عشر: الوطن كمنشأة لغوية — إعادة تعريف الانتماء في خطاب النديم الرقمي
1. مدخل: حين يُصنع الوطن بالكلمات لا بالحدود
في العالم الساخر للنديم الرقمي، لا يظهر الوطن بوصفه مساحة جغرافية أو كيانًا سياسيًا، بل بوصفه خطابًا يُصنع ويُعاد إنتاجه.
الوطن ليس ما تعلنه السلطة في بياناتها، بل ما يتبقى بعد أن تنسحب الدعاية.
السخرية هنا ليست خروجًا من الانتماء، بل محاولة لاستعادته من أيدي من صادروا معناه.
2. الوطن الرسمي: شعار بلا مضمون
يُظهر النديم أن الوطن — في النسخة الرسمية — يتحول إلى:
- شعار يُكرر دون توقف
- جملة تُقال في نهاية كل بيان
- خلفية لغوية لتمرير سياسات
- مرادف للطاعة
- علامة تجارية تحتكرها السلطة
هذا الوطن هو “الوطن الإجباري” الذي يُراد للجميع أن يصفّق له لا أن ينتمي إليه.
3. الوطن الشعبي: السخرية كإعادة تعريف
يقابل النديم هذا الوطن الرسمي بـ وطن شعبي، يُبنى عبر:
- النكات
- التهكم
- تبادل الوعي
- نقد الواقع
- فضح الخداع
السخرية هنا تصبح لغة مضادة تصنع وطنًا مختلفًا، وطنًا يشعر فيه المواطن أنه جزء من الحقيقة لا جزء من الإعلان الحكومي.
4. الوطن المفقود: أثر الغياب في خطاب النديم
يعتمد النديم على بلاغة تُظهر الوطن كما لو أنه:
- اختفى
- تلاشى
- تآكل
- اختُطف لغويًا
لكن الغياب ذاته يصبح وسيلة لتعميق الرغبة في استعادته.
إنه وطن مفقود في الخطاب الرسمي، لكنها السخرية التي تعثر على أثره المتبقي بين سطور الهزل.
5. مفارقة الانتماء: “نحب الوطن رغم أنف السلطة”
ترتفع السخرية عند النديم إلى مستوى مفارقة عظيمة:
فهو يسخر من الخطاب الرسمي باسم الوطن، لكنه يفعل ذلك بدافع الانتماء الحقيقي.
هذا الانتماء يظهر في:
- الحزن الخافت بين السطور
- الغضب المكتوم من تدمير الحاضر
- الحساسية تجاه كرامة الإنسان
- رفض تحويل المواطن إلى مادة خام لخطاب الدولة
السخرية هنا ليست عداءً للوطن، بل دفاعًا عنه من اختطافه.
6. الوطن بوصفه ذاكرة مشتركة
يصنع النديم وطنًا سرديًا عبر الذاكرة:
- الأسواق الشعبية
- العادات اليومية
- الأمثال
- سرديات الصبر
- الطفولة
- تفاصيل المدن الصغيرة
هذه التفاصيل تُستخدم كمرايا لعكس حجم التدهور، وكأدوات لخلق انتماء حقيقي بعيد عن المصطلحات البيروقراطية الجافة.
7. سلطة “الوطنية” الاحتكارية
في خطاب السلطة، الوطنية تتحول إلى:
- رخصة تُمنح لمن يصفق
- سلاح يُشهر في وجه المعارض
- وثيقة ملكية سياسية
- أداة لتجريم التفكير
السخرية عند النديم تفكك هذا الاحتكار، وتعيد الوطنية إلى تعريفها الأصلي:
حماية الإنسان وكرامته لا حماية الصورة الرسمية.
8. الوطن كمسؤولية لا كأناشيد
يقدم النديم مفهومًا جديدًا للوطنية يختلف جذريًا عن النسخة الرسمية.
فالوطن عنده مسؤولية:
- كشف الفساد
- نقد الظلم
- فضح التزييف
- حماية الضعفاء
- قول الحقيقة رغم الخوف
وهذا ما يجعل السخرية شكلًا من أشكال الفعل السياسي الأخلاقي.
9. الوطن بوصفه مشروعًا جماعيًا لإنقاذ المعنى
يرى النديم أن أهم ما ضاع في زمن الدعاية هو: المعنى.
تُعاد صياغة مصر — في نصوصه — كمهمة مشتركة:
- إنقاذ اللغة
- إنقاذ الذاكرة
- إنقاذ العقل العام
- إنقاذ ما تبقى من المجال العام
وهذه مهمة لا تقوم بها السلطة، بل يقوم بها المجتمع ذاته عبر الوعي والسخرية.
10. خاتمة: السخرية تنتزع الوطن من يد من صادره
في النهاية، يكشف هذا الفصل أن النديم لا يكتب عن الوطن كموضوع، بل كمعركة لغوية:
معركة لاسترداد الكلمات من قبضة السلطة، ولإعادة تعريف الانتماء بعيدًا عن خطاب الخوف والدعاية.
السخرية هنا ليست فقط مقاومة، بل استعادة:
استعادة وطن صار مجرد شعار، وإعادة بنائه كمساحة للكرامة والمعنى والمشاركة الحقيقية.
هل تنتقل الآن إلى الفصل الرابع عشر؟
Comments
Post a Comment