الفصل الرابع عشر: الدولة كجهاز تخييل — كيف يبني النديم الرقمي عالماً يمكن أن يحدث (ولكنه لم يحدث بعد)
الفصل الرابع عشر: الدولة كجهاز تخييل — كيف يبني النديم الرقمي عالماً يمكن أن يحدث (ولكنه لم يحدث بعد)
1. مدخل: الخيال السياسي بوصفه حقيقة محتملة
لا يتعامل النديم الرقمي مع الخيال كمهرب من الواقع، بل كأداة لتحليل الواقع بطرق لا يستطيع الخطاب الرسمي الوصول إليها.
فالخيال هنا ليس انفصالًا عن السياسة، بل تفسيرٌ أعمق لها.
إنه يرسم عالمًا موازيًا يشبه الواقع إلى حد يفضحه، ويختلف عنه بالقدر الذي يكشف زيفه.
بهذا يصبح الخيال عنده جهازًا نقديًا حادًا، لا مجرد لعبة لغوية.
2. “السياسة الممكنة”: مفهوم محوري
في نصوص النديم، هناك دائمًا مسافة بين:
- ما تقوله الدولة
- ما يحدث فعلاً
- وما يمكن أن يحدث
يقع الخيال الساخر في هذه المسافة الثالثة؛ تلك التي تكشف كل فجوة وكل تناقض.
إنه فن تخيل الدولة كما قد تصبح لو استمرت في منطقها حتى النهاية.
3. الدولة المتخيلة كمرآة مكبرة
يبني النديم دولة خيالية تتسم بـ:
- وزارات فانتازية
- مشروعات غير قابلة للحدوث
- تحالفات دولية عبثية
- مؤتمرات عالمية بلا معنى
- قرارات اقتصادية تتحدى قوانين الفيزياء
لكن هذا العبث ليس عبثًا فعلاً؛ إنه تكبيرٌ للواقع حتى تظهر شقوقه.
كما لو أن النديم يضع الدولة تحت مجهر لغوي يكشف كل ما تحاول إخفاءه.
4. البيروقراطية ككائن أسطوري
تتحول البيروقراطية في كتاباته إلى شخصية خارقة، لكنها خارقة في الفشل:
- لجان لا تموت
- قرارات تتكاثر ذاتيًا
- أختام تتوالد بلا توقف
- موظفون يعملون على تضييع الوقت بخبرة كونية
هذه الصورة الأسطورية ترسم البيروقراطية كـ نظام عضوي يتغذى على نفسه.
5. الأمن القومي كخيال ملحمي
يسخر النديم من الطريقة التي توسع بها الدولة تعريف الأمن القومي ليشمل كل شيء:
- الطماطم
- التعليم
- الطابونة
- النكات
- قلوب المواطنين
في عالمه المتخيل، يصبح الأمن القومي أشبه بـ جيش فانتازي يطارد أعداء غير موجودين، ويعلن “النصر” يوميًا.
هنا يكشف النديم أن الأمن القومي — في صورته الرسمية — هو خرافة سياسية منظمة.
6. التحالفات الدولية الافتراضية
من أكثر تقنيات النديم سخريةً اختلاق تحالفات دولية، مثل:
- حلف العلمين
- التحالف المصري-القطبي الجنوبي
- اتحاد العمد العالمي
- مجلس الأمن القومي للقرى النموذجية
هذه التحالفات تكشف جوع السلطة للشرعية الدولية رغم غياب الأساس الواقعي.
إنها سياسة “الصورة بدل الفعل”.
7. الاقتصاد الساخر: عالم لا يخضع للرياضيات
في العالم المتخيّل للنديم، الاقتصاد يصبح:
- ميزانية لا تتأثر بالعجز
- مشروعات عملاقة تضخّم الأوهام لا الناتج
- عملة ترتفع بانخفاض قيمتها
- ضرائب تُفرض باسم دعم المواطن ضد نفسه
الخيال هنا يكشف العبث الاقتصادي الحقيقي، دون الحاجة إلى تحليل تقني.
8. المواطن داخل العالم المتخيَّل
المواطن ليس ضحية فقط، ولا مجرد متفرج، بل جزء من الخيال:
- ينتظر “طفرة اقتصادية” لا تأتي
- يستمع إلى أخبار عن إنجازات غير مرئية
- يشارك — بالسخرية — في إعادة كتابة الرواية
- يفهم أن الواقع أصبح مادة درامية
المواطن هنا شريك في إعادة بناء الحقيقة عبر التهكم.
9. لماذا يحتاج الاستبداد إلى الخيال؟
يكشف النديم أن الدولة السلطوية تحتاج الخيال أكثر من المواطن:
- لتبرير قرارات غير منطقية
- لإنتاج سياسة لا تستند إلى واقع
- لخلق إنجازات بدون نتائج
- لإخفاء القمع داخل “حكاية وطنية”
- لصناعة صورة مستمرة عن دولة “تتقدم دائمًا”
الخيال الرسمي هو محاولة لتثبيت واقع يتداعى.
10. المفارقة الكبرى: السخرية أكثر واقعية من الدولة
هذه إحدى أهم أطروحات الفصل:
الخيال الساخر عند النديم أكثر واقعية من الخطاب الرسمي لأنه يكشف الحقيقة عبر المبالغة، لا عبر الإخفاء.
بينما يستخدم الخطاب الرسمي الخيال لحجب الفشل، يستخدمه النديم لكشفه.
11. الخاتمة: العالم المتخيل ليس هروبًا… بل إعادة تفسير
في النهاية، يظهر أن النديم لا يبني عالمًا تخييليًا للمتعة فقط، بل:
- لإعادة قراءة الواقع
- لتفكيك خطاب السلطة
- لإظهار الاحتمالات الخطيرة التي يخفيها النظام
- لتحذير المجتمع من مآلات الاستبداد
- لبناء وعي جماعي يرى ما وراء الستار
إنه عالم “يمكن أن يحدث”، ولذلك يصبح السخرية أداة سياسية بامتياز.
هل تنتقل الآن إلى الفصل الخامس عشر؟
Comments
Post a Comment