الفصل السابع عشر النديم الرقمي وصناعة "المؤامرة الرسمية": كيف تُنتِج السلطة روايتها وتُقوِّض نفسها**
**الفصل السابع عشر
النديم الرقمي وصناعة "المؤامرة الرسمية": كيف تُنتِج السلطة روايتها وتُقوِّض نفسها**
مقدمة الفصل
في السردية السياسية المعاصرة، لا تُعرَف المؤامرة فقط بوصفها خيالًا شعبيًا، بل أصبحت أداة رسمية تتبنّاها السلطة نفسها لتفسير الفشل، وصناعة العدو، وتثبيت الهيمنة.
غير أن السخرية السياسية الرقمية — كما يظهر في أعمال النديم الرقمي — تقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، فتُعيد إنتاج المؤامرة الرسمية بوصفها مادة هزلية تكشف هشاشة السلطة أكثر مما تُخيف الجمهور.
هذا الفصل يدرس كيف يبني النديم الرقمي نظرية "المؤامرة الرسمية"، وكيف يحولها إلى خطاب كاشف يعرّي الدولة بدلًا من أن يرسّخ بنيتها.
أولًا: حين تختلق الدولة عدوًّا ينقلب عليها
في خطاب النديم:
- العدو ليس قوة غامضة،
- ولا جهازًا دوليًا،
- ولا "كيانًا خارجيًا" يريد إسقاط الدولة.
بل يصبح العدو ظلّ الدولة نفسها،
أو خطأ إداريًا،
أو لجنة حكومية لم تُقرأ محاضرها،
أو وزيرًا أصدر قرارًا غير مفهوم ثم اختفى.
بهذا يفضح النديم أن المؤامرة ليست «من الخارج»، بل من الداخل المحتقن.
ثانيًا: كيف تُبنى المؤامرة الرسمية؟
يكشف النديم أربع خطوات جوهرية:
1. إعلان الخطر دون تعريفه
مثل الجمل التي تبدأ بـ:
«جهات معادية…»
«قوى خارجية…»
«تنظيمات تسعى لإحباط جهود الدولة…»
دون تحديد أي شيء يمكن التحقق منه.
2. تضخيم العدو
إظهار العدو كقوة خارقة تستطيع:
- إسقاط العملة،
- رفع سعر الطماطم،
- التأثير في مزاج المواطنين،
- والتلاعب بطقس البلاد.
3. تبرير الفشل
تُستحضر المؤامرة لحماية المسؤول من المساءلة، فتُصبح:
- الكهرباء انقطعت لأن "الأعداء" استهدفوا الشبكة،
- لا يوجد بنزين لأن "المخطط التخريبي" أوقف الإمدادات،
- الأسعار ارتفعت بسبب "العناصر المشبوهة".
4. تحويل المؤامرة إلى سياسة
عندما تعجز السلطة عن الحكم بالحقيقة، تبدأ بالحكم بالخوف.
ثالثًا: عندما يسخر النديم من المؤامرة الرسمية
يحطم النديم هذه البنية عبر:
1. المبالغة المعكوسة
إذا قالت الدولة:
«هناك مؤامرة ضد الاستقرار»،
يقول النديم:
«نعم، مؤامرة يقودها الحر والبرد والزحمة».
بهذه التقنية، يكشف هشاشة الرواية الرسمية.
2. قلب مركز القوة
يجعل النديم "المؤامرة" كائنًا صغيرًا عبثيًا:
- يختبئ في ملفات وزارة،
- يظهر في موسم إمتحانات،
- ويختفي في أيام العطلات الرسمية.
هي سخرية تجعل الساحر يرى حباله.
3. إظهار الدولة كراوٍ مضطرب
في العالم الساخر للنديم، الدولة هي نفسها:
- الراوي،
- والخصم،
- والضحية،
- ومنسق الحكاية.
وهو ما يجعل الرواية الرسمية تبدو كـ كوميديا سياسية غير متقنة.
رابعًا: هندسة الخوف وتحويله إلى مادة هزلية
يتعامل النديم مع الخوف بالطريقة نفسها التي تعامل بها تشارلي شابلن مع الديكتاتور: يجرده من هالته.
فالخوف السياسي في خطاب السلطة يقوم على:
- الغموض،
- وتضخيم التهديد،
- واستدعاء "المؤامرة" عند كل أزمة.
أما السخرية فتقوم على:
- التسمية المباشرة،
- فضح التفاصيل،
- وتفكيك البنية السردية.
وهنا يُعاد تحويل الخوف إلى مادة قابلة للضحك، لا أداة للسيطرة.
خامسًا: كيف تُعيد السخرية تعريف المواطن؟
في ظل "المؤامرة الرسمية"، يُفترض بالمواطن أن يكون:
- تابعًا،
- خائفًا،
- غير قادر على الفهم،
- منتظرًا للمنقذ الرسمي.
لكن السخرية عند النديم تعيد المواطن إلى موقع:
- القارئ الناقد،
- المحلل،
- الراقب الذي يضحك على "الخطاب"،
- الفاعل الذي يرى حدود القوة بدلاً من سطوتها.
إنها تُعيد للمواطن موقعه في القصة.
سادسًا: المؤامرة الرسمية كعرض مسرحي
يُظهر النديم أن خطاب المؤامرة يشبه عرضًا فاشلاً:
- أبطال بلا عمق،
- حبكة بلا منطق،
- نهايات لا تُقنع أحدًا،
- جمهور يعرف أن كل شيء مصطنع.
وبهذا، تتحول المؤامرة إلى فن هابط وليس إلى سياسة.
سابعًا: المفارقة السياسية
المفارقة الكبرى التي يكشفها النديم:
إن الدولة التي تخترع المؤامرة سعيًا لإثبات قوتها، لا تفعل سوى إظهار ضعفها،
لأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى خرافة كي تستمر.
السخرية هنا ليست عداء، بل تشخيص سياسي دقيق.
خاتمة الفصل
في خطاب النديم الرقمي، تُصنع «المؤامرة الرسمية» كي تعمل كغطاء للسلطة، لكن السخرية تزيح الغطاء وتكشف الأدوات.
فبدل أن تُخيف، تتحوّل المؤامرة إلى نكتة تدور في المقاهي، وإلى مادة يعيد الجمهور تدويرها بطريقة تُفقدها تأثيرها.
وهكذا ينجح النديم ليس فقط في السخرية من السلطة، بل في تعطيل إحدى أهم أدواتها: الخوف.
هل ترغب في الفصل السادس عشر،
أم ترغب أن أضع الفهرس الكامل للأجزاء التي كتبناها حتى الآن؟
Comments
Post a Comment